محمد متولي الشعراوي
3199
تفسير الشعراوى
وأورد الحق قول المنافق : « نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ » وساعة نسمع كلمة « الفتح » ، فلنعرف أدلّ مدلولاتها أنه الحكم . رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ ( من الآية 89 سورة الأعراف ) أي احكم يا رب بيننا وبينهم . إذن فقوله الحق : « فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ » أي الحكم الذي يضع حدّا لمسألة موالاة أهل الكتاب والذين لا يعلمون . والأمر من عند اللّه هو حكم من اللّه أيضا . يخاطب المؤمنين به . والمؤمن باللّه له أعمال تؤدى كأسباب إلى مسببات ، وقد يأتي للمؤمنين أشياء بدون مقدمات منهم ، وهي الفضل من اللّه . إذن فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ ، أي بأسباب أنتم تصنعونها وتعدّون ما استطعتم من عدّة وعدّة وتؤذونهم ، ولذلك قال في آية أخرى : فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ ( من الآية 6 سورة الحشر ) مثال ذلك ما حدث لبنى النضير ، فكان الإجلاء ، واستولى المسلمون على أرض بني قريظة ، وهذا هو الفتح من عند اللّه . وسبحانه - إذن - يعامل المؤمنين معاملتين : الأولى أن يصنع المؤمنون مقدمات تؤدى إلى نتائج : قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ( من الآية 14 سورة التوبة ) وهنا جعل الحق قتال المؤمنين سببا ، أما الثانية فهي الأمر من عنده بالنصرة بالربوبية . وساعة تسمع « عسى » و « لعل » فهذا معناه الرجاء . والرجاء أن المتكلم يرجو أن يقع ما دخلت عليه « عسى » . مثال ذلك قولنا : ( عسى أن تكرم زيدا ) . ومن يقولها إنما يرجو سامعها أن يكرم زيدا ، وهذا يعنى أن القائل ليس في يده إكرام زيد . أما إذا قال القائل : ( عسى اللّه أن يكرم زيدا ) ، فهذا نقل للرجاء من البشر